ابن هشام الأنصاري
136
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
[ ناصبه أربعة ] وناصبه أربعة : [ الأول « لن » ] أحدها : ( لن ) وهي لنفي ( سيفعل ) ( 1 ) ، ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده ، خلافا للزمخشري ( 2 ) ، ولا تقع دعائيّة ، خلافا لابن السّرّاج ( 3 ) ، وليس أصلها ( لا )
--> ( 1 ) أراد المؤلف بقوله : ( وهي لنفي سيفعل ) أن لن تدل على نفي الفعل المستقبل ، وهو الذي يعبر المتكلم عنه بقوله سيفعل ، لأن السين - كما تعلم - تخلص الفعل المضارع الذي يحتمل الحال والاستقبال بحسب وضعه للاستقبال ، فإذا قال قائل ؛ ( سيحضر خالد ) فأردت أن تنفيه قلت : ( لن يحضر ) . ثم إن نفي لن للفعل في الزمان المستقبل على ضربين ، لأنه إما أن يكون لهذا النفي غاية ينتهي إليها ، نحو قوله تعالى : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فإن نفي البراح مستمر إلى رجوع موسى ، ومثل قوله تعالى : حكاية عن أخي يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي فإن نفي براحه الأرض مستمر إلى أن يجيئه الإذن من أبيه ، وإما أن يكون نفي لن مستمرا إلى غير غاية ، نحو قوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فإن انتفاء خلقهم الذباب مستمر أبدا ، لقيام الدليل العقلي على أن خلقهم إياه محال . والمحال لا يقع ، فإنه لو وقع لانقلب ممكنا ، وهو لا يجوز . ( 2 ) ادعى جار اللّه الزمخشري دعويين كل منهما غير مسلمة له . أما الدعوى الأولى فذكرها في كتابه الأنموذج ، وحاصلها أن لن تدل بحسب وضعها على تأييد النفي ، وأنه لا غاية له ينتهي إليها ، وعلى قوله : هذا يبطل تقسيمنا نفي لن إلى الضربين اللذين ذكرناهما آنفا ، ويكون نفي لن نوعا واحدا ، وقد استدل لما ذهب إليه بنحو قوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً . ولا صحة لما ادعاه ، ولا دليل له فيما استدل به ، فأما عدم صحة دعواه فيدل له ثلاثة أمور ؛ أولها أن ( لن ) لو كانت دالة على تأييد النفي في كل مثال ترد فيه لكان ذكر طرف دال على وقت معين معها تناقضا ، وقد ذكر في القرآن الكريم لفظ الْيَوْمَ معها في قوله تعالى : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا إذ كيف ينتفي تكليمها إنسيا نفيا مستمرا لا إلى غاية ثم يقيد ذلك بقوله اليوم في أفصح كلام وأبعده عن التناقض والاختلاف ، والوجه الثاني أن لن لو كانت تدل كلما ذكرت على تأبيد النفي لكان ذكر لفظ ( أبدا ) معها تكرار لأن المفروض أنه مستفاد منها ، وقد ورد ذكر أبدا معها في القرآن الكريم في نحو قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً والقرآن مصون عن التكرار ، والوجه الثالث أنها لو كانت دالة على تأبيد النفي لم يصح أن يذكر معها ما يدل على انتهائه نحو ما ذكرنا من قوله -